فخر الدين الرازي

47

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ومنه دحيت الأرض » واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى . [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 31 ] أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) الصفة الثانية : قوله تعالى : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ماؤها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها رعيها ، وهو في الأصل موضع الرعي ، ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على شريطة التفسير ، وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء ، فإن قيل : هلا أدخل حرف العطف على أخرج قلنا لوجهين ؟ الأول : أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها والثاني : أن يكون أَخْرَجَ حالا ، والتقدير والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماءها ومرعاها . المسألة الثانية : أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام ، ونظيره قوله في النحل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [ النحل : 10 ] وقال في سورة أخرى : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا إلى قوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ عبس : 25 - 32 ] فكذا في هذه الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [ يوسف : 12 ] وقرئ نرتع من الرعي ، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] فانظر كيف دل بقوله : ماءَها وَمَرْعاها على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر ، والحب والثمر والعصف والحطب ، واللباس والدواء حتى النار والملح ، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ [ الواقعة : 71 ، 72 ] وأما الملح فلا شك أنه متولد من الماء ، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا ويتلذذون به ، فأصله الماء والنبات ، ولهذا السبب تردد في وصف الجنة ذكرهما ، فقال : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ * [ البقرة : 25 ] ثم الذي يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس والأنعام قوله في آخر هذه الآية : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 33 ] . [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَالْجِبالَ أَرْساها والكلام في شرح منافع الجبال قد تقدم . ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقه الأرض وكمية منافعها قال : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ والمعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم ، واحتج به من قال : إن أفعال اللّه وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح ، والكلام فيه قد مر غير مرة ، واعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة السماء والأرض ليستدل بها على كونه قادرا على الحشر والنشر ، فلما قرر ذلك وبين إمكان الحشر عقلا أخبر بعد ذلك عن وقوعه . فقال تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 34 ] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 )